من زمن الكتاب إلى زمن الخطاب متعدد الأشكال

الإنشاء الثقافي والحداثة : وسائل جديدة ... تحديات جديدة

الموائد المستديرة

الفهرس
مقدمة عامة مقدمة الفنون التشكيلية وتقديم الناصر بن الشيخ
محاضرة الناصر بن الشيخ (قريبا) مداخلة سالم اللبّان :  الفن التشكيلي الرقمي من سؤال الهوية إلى سؤال الوظيفة

 مقدمة عامة للموائد المستديرة

تقديم سالم اللبّان : ألقيت بالنادي الثقافي الطاهر الحدّاد / الأحد 20 أفريل 2003 الساعة العاشرة صباحا

 

         أبدأ بالترحيب بكم جميعا شاكرا لكم حضوركم واهتمامكم بموضوع هذه التظاهرة التي هي ككل، الأولى في سلسلة هي إلى اليوم موضوع حلم وهاجس مازلت أحمله وحدي وأملي أن أجد منكم من يحمله معي.

         هذا الحلم تحقق منه إلى الآن عنصران : 

-                           أحدهما مجموعة "الجسر الصغير" التي شاهدتموها في حفل الإفتتاح والتي ما تزال تتكون أساسا من موسيقيين ورجائي ومن معي هو أن نراها تتدعم بمنشئين في أكثر ما يمكن من من مجالات التعبير الفكري والثقافي والفني. لأن التعدّد  والتعايش السلمي بين مختلف التعبيرات هو هدفها الأسمى. ولأن هذه المجموعة هي التي يرجى منها أن تأخذ على عاتقها، وبصفة جماعية، استنباط وتنظيم كل تظاهرات الحوار الثقافي التي تطمح إلى إقامتها مستقبلا. 

-                           العنصر الثاني هو موقع الجسر الصغير على الأنترنات. هو اليوم، وأرجو أن يكون ذلك مؤقتا، موقع شخصي. ولكن لو كنت أريده أن يبقى شخصيا لاكتفيت بتسميته باسمي شخصي المتنرجس بطبعه. ولكنّي أردته، كما يبوح به شعار الموقع : "جسرا للحوار تشيده الثقافة فلا تنفصم أعمدته أبدا" ...  

تظاهرتنا هذه التي عنوانها "من زمن الكتاب إلى زمن الخطاب متعدد الأشكال / الإنشاء الثقافي والحداثة : وسائل جديدة ... تحديات جديدة" ... هذه التظاهرة قلت، هي أول مظهر من مظاهر الحوار الذي أسعى إلى إقامته من خلال إنشاء موقع الجسر الصغير ...

الحوار المقصود بشعار الجسرالصغير، هو طبعا حوار الثقافات والحضارات ... هو الحوار مع الآخر أينما كان ... ولعل تكنولوجيات الإتصال والأنترنات منها بالخصوص، خير وسيلة تساعد على إقامة مثل هذا الحوار بأيسر السبل والتكاليف ... 

ولكن أي حوار مع الآخر دون حوار فيما بيننا نحن المثقفين والمنشئين والمفكرين المتواجدين هنا، في الساحة الثقافية التونسية ؟  لذلك رأيت، وإن بدأت تتكون لي "صداقات" عبر الأنترنات مع منشئين من خارج الحدود، أردت أن لا يشرع الجسر الصغير في إقامة تظاهرات حوار متعدد الثقافات والجنسيات، إلّا بعد تجربة الحوار الدّاخلي. 

أبوح لكم من الآن بسر حلم قادم، وهو أن الخطوة التالية التي أرجو والجسرُ الصغيرُ تحقيقها في مجال الحوار الثقافي، هي تظاهرة أكتفي بالقول إنها تطمح إلى أن تكون مغاربية الحضور والمساهمة، وإلى أن تركز ، من وسائل التكنولوجيات الحديثة، على الأنترنات بالذات.  

هذا يستدعي إمكانيات مادية أكبر مما يتوفر لي حاليا، ولكن كل شيء يمكن أن يتحقق متى توفر الفريق الكفؤ والمتحمس، فاليد الواحدة لا تصفق ولو كان أحد أصابعها السيدة خديجة كمون التي أريد أن أجدد لها الشكر بهذه المناسبة.

فالأمل هو أن تلتف حول الجسر الصغير، وفي رحاب هذا الفضاء الثقافي الرائع، متى قبلت السيدة مديرته مواصلة احتضان المغامرة طبعا، وهنا أريد أن أفاجئها فأورطها في الحلم معنا توريطا أعتقد أنه محبب إلى نفسها رغم التعب ... المهم أن تلتف حول الجسر الصغير، قلت، مجموعة من الأصدقاء المنشئين والفنانين تؤمن، في كنف الاستقلالية المطلقة لكل منهم طبعا، بهذا الحوار.  

الأمل أن يهب هذا الحلمَ كلُّ شيئا من وقته، أولا وأساسا لمحاولة التكوين الذاتي أخذا بناصية التكنولوجيات الحديثة والإقبال على تعلم الأنترنات بالخصوص في اتجاه ضمان حضور إنشائه الشخصي، فنيّا كان أو فكريا أو ثقافيا بصفة عامة، على الأنترنات. وأملي هو أن أستطيع المساعدة في هذا الإتجاه بكل ودّ.  

أما الإتجاه الثاني الذي يمكن أن يعمل فيه الأصدقاء المعنيون هو ربط صداقات، عبر الأنترنات، مع آخرين من ثقافات قريبة من ثقافتنا مع التدرج نحو الأقل قربا، حتى لا نقول الأبعد. 

أريد أن أفتح قوسا لأوضح أن هذا الكلام يعني فقط أنني أردت بهذه التظاهرة الأولى أن أمد، بكل محبة، يدا صديقة إلى الجميع. ولكن الإلتفاف حول الجسرالصغير ليس شرطا للسير في هذا الإتجاه. فهو إتجاه أعتقد صادقا أنه ضروري لكل مثقف صادق واع بالتحديات المطروحة على وطنه ويهمه أن نضمن معا حضور ثقافتنا في هذا الفضاء الإتصالي المعولم وأن نعمل بجد على أن لا نحال على صفحة الهامش. 

بعد هذا التوضيح، أدخل في موضوع حوارنا لأطرح السؤال : ما هي مظاهر استعمال تكنولوجيات الإتصال الحديثة التي تميز الحضارة الكونية النّاشئة، في ميدان الإنشاء الأدبي والفني والثقافي عموما ؟

أول مظاهر هذا الإستعمال هي في الحاسوب وبرمجياته مما يمكّن من إفراز خطاب إنشائي مرقمن.

سنتطرق تباعا، على مدى الأسبوع المقبل، لإستعمالات الحاسوب وبرمجياته في عدد من الفنون.

عودة إلى الفهرس


مقدمة مائدة الفن التشكيلي المستديرة

 سالم اللبّان : السؤال الذي ننطلق منه هو التالي : "الفن التشكيلي وبرمجيات الرقمنة : إضافة أم مسخ ؟"  

برنامج حوارنا حول هذا الموضوع سيكون كالتالي : 

أولا : مداخلة أستاذي الناصر بن الشيخ التي ستكون بمثابة رجع الصدى الفلسفي لهذا السؤال الذي أروم طرحه من ناحيتي، بعد ذلك، من زاوية تجزيئه إلى أسئلة بديهية قد لا تكون بعيدة عن بعض السذاجة المقصودة.  

ثانيا، سأستسمحكم في إتمام ما بدأته في هذه المقدمة مما يطرح للإشكاليات التي يفرضها التفكير في مسألة الفن التشكيلي والحاسوب، وذلك  انطلاقا من شهادة عن مماسة ذاتية كنتم تشاهدون نتائجها الأولية في الديابوراما. 

وثالثا فتح الحوار إنطلاقا من أسئلة مبوبة نستوفي منها كل سؤال حقه قبل طرح السؤال الموالي. 

قبل أن أحيل الكلمة إلى الناصر بن الشيخ، ماذا عساني أقول عنه ؟

الرجل غني عن التعريف في مجالات النقد الفني وتدريس تاريخ الفن وفلسفته، وهو أغنى عن التعريف بوصفه صحفيا بدأ حياته محررا ثم رئيسا لتحرير الأنباء على موجات إذاعة تونس الدولية باللغة الفرنسية، ومر بإدارة مجلة ديالوغ ثم تفرغ للتدريس في معهد الفنون الجميلة ومعهد الصحافة وعلوم الأخبار قبل أن يتولى إدارة معهد الفنون الجميلة بكل من تونس وصفاقس منذ إنشائه.

وهو أيضا، ولعله أساسا، فنان تشكيليّ، كلما عرض كان معرضه مشاكسة فكرية وفنية ونقدية أكثر منه فرصة لعرض وبيع لوحات تشكيلية.

ولكني أريد الإشارة إلى أن الناصر بن الشيخ، إلى جانب كل هذا، وهو ما دفعني إلى الإصرار على مساهمته في هذه المائدة المستديرة ... الناصر يمكن أن يقدم تساؤلات مجرّب في المجال الذي نقترحه ألا وهو مسألة دور الحاسوب في الفن التشكيلي.

فالرجل قد اشتغل على الفن الإسلامي في علاقة مع الحاسوب تتسم بالحذر وعمق المقاربة. ووصل في تفكيره إلى عمق فلسفي نحتاج جميعا إلى تأمله حتى نعيد النظر في عديد من مسلماتنا.

         الكلمة لك أستاذي فتفضل

عودة إلى الفهرس


قريبا تجدون هنا ملخصا عن محاضرة الناصر بن الشيخ وعن النقاش، في انتظار رقمنة المحاضرة انطلاقا من تسجيل

الفن التشكيلي المرقمن من سؤال الهوية إلى سؤال الوظيفة

شهادة من داخل التجربة الذاتية 

مداخلة سالم اللبّان

 الأثر الفني  في جوهره كل لا يتجزّأ مهما كان محمله ومهما كانت مادته ومهما كان الدافع على إنشائه. لا أجادل في هذا الشأن.

ولكن طرح سؤال الأجزاء والتفكيك ضروري للتفكير ثم الفهم.  

نعرف أن الأداة التي ننجز بها عملا، أي عمل، لها تأثير لا يقل عن تأثير الإنسان الذي يستعملها لإنجاز عمله. بل إنها غالبا ما يتجاوز تأثيرها تأثير ذلك الإنسان العامل. ولعل تطور البشرية إذا أردنا إختزاله في سبب يحركه ومظهر يدل عليه نجده يتمثل في "تطور أدواتها".

وما نعيشه اليوم من ثورة إتصالية عارمة وما يتوفر لنا جرّاء هذه الثورة من وسائل تكنولوجية متطورة يدفعنا، لا مناص، إلى محاولة الفهم، فهم هذه الأدوات والوسائل الجديدة، حتى لا نكون غرباء عن محيطنا يتجاوزنا غيرنا بأدوات نراها لديه فلا نقوى على استعمالها أو لا نستعملها على أفضل الوجوه. وما نعيشه اليوم  يدفعنا بالضرورة إلى محاولة فهم ما ننتجه باستعمال تلك الأدوات حتى نكون على بينة مما يصدر عنّا من أعمال و"منتوجات" إن صح التعبير. 

قد يتبادر إلى الذهن أن الفن ليس "منتوجا" ككل المنتوجات، ولا هو مما يخضع للمكننة و الإحصاءالدقيق. بل قد يذهب البعض إلى أن الفن هو ما يستعصي دائما على كل القواعد. كلما نظّرت له وجدت تطبيقا يُسقط نظريتك أو جزءا منها على الأقل. وكل هذا صحيح إلى حد ما.

أنا لا أومن بأن إنتاج أثر فني هو من قبيل إيمان الغزالي "نور قذفه الله في صدري". ولكن لا بد من الإعتراف بأن ما يميز هذا الأثر الفني عن ذاك، سرُّه في نوع من الموهبة الخام هي التي يصقلها التعلم والإطلاع والتجربة وترفدها إلى حد ما الأداة المستعملة. 

ما سبق ينطبق على الفن عموما، وقد قصدنا أن نطرح سؤال الأداة في هذه التظاهرة على عدد من الفنون. لأن تداخل الفنون وتكاملها أصبح ميزة الحضارة الكونية الناشئة. ولكن لأننا نبدأ اليوم بالفن التشكيلي، لنا أن نطرح السؤال البسيط التالي : أين يكمن الفن في الأثر التشكيلي ؟  

أطرح هذا السؤال وما سيتفرع عنه إنطلاقا، كما قلت، من تجربتي المتواضعة مع الحاسوب ومختلف متمماته من ناحية وأبرزها السكانار، ومع برمجيات الصياغة التشكيلية من ناحية أخرى.  

سأبوح لكم بكل سذاجة بأنه كانت لي شبه قناعة بأن الفن التشكيلي بالذات هو أساسا من باب الصناعة اليدوية والقدرة على التحكم في حركة الفرشاة والقلم وغيرهما  لرسم الخط الصحيح بالأداة الصحيحة المحملة باللون الصحيح وأن العبقرية في ذلك تكمن وليست في سواه.  

لذلك وجدت هذه الأسئلة في بداية تجربتي تعيقني تماما عن مواصلة لعبة بدأتها مازحا ولكنني أصبحت ألعبها بكل جدّ لمّا أصبحت أكتشف في الحاسوب وبرمجياته مزيدا من :

1/ الأدوات على إختلافها. فما من نوع من الأقلام أو الفرشاة أو السكاكين أو غيرها إلا وتجد له معوضا رقميا في أحجام يعسر أن تجدها فعلا عند بائع الأدوات.

2/ الموادّ والألوان بمختلف ضروبها. ويمكن أن تختارها من جداول ألوان جاهزة أو أن تضعها على بعضها وتمزجها بنفسك على النحو الذي يروق لك ثم تعطيها دسامة المادة التي ترغب فيها. بما يحضر لديك كل أصناف المحامل وكل أنواع الصبائغ تتصرف فيها على النحو الذي تشاء.

3/ الوصفات التقنية المعلبة الجاهزة للتطبيق على كل أثر. حيث يمكنك أن تبني لوحتك، إذا شئت، على أساس تقنيات الرومانسيين أو الإنطباعيين أو التكعيبيين أو غيرهم مما لا أدعي العلم بهم، ولكني أستطيع الإستفادة من تجاربهم. كما تستطيع الإستفادة من تقنيات التصوير الشمسي والتركيب ومن تقنيات الإنارة المسرحية والسينمائية. ومن ذلك مثلا معلقة هذه التظاهرة. 

كل هذه الأدوات، سألت نفسي، كل هذه الكنوز الرهيبة من المواد الاولية والوصفات والأدوات، هل فيها تطعيم وإضافة إلى الفن الذي يسكنني وأبحث عنه بداخلي ولا مجال إلا أن يكون فني أنا ؟ أم هل أن فيها مسخ نهائي لكل ما بداخلي وإحلال لما علّب داخل الحاسوب ومتمماته وبرمجياته محل ما بداخلي، بما يعني في النهاية مسخي أنا ككائن منشئ ؟  

إنه سؤال رهيب يزعزع قناعتي بأبوّة الأثر الفني الصادر عني باستعمال تلك المواد. وهذا ما يدعوني اليوم إلى طرحه عليكم حتى نفكّر معا. ليس لي من جواب سوى ما قدمت من بعض آثار ما تزال تحمل ملامح التجربة الأولى. فقد إنتقيت هذه اللوحات (إن صح التعبير) بما فيها مما بدأت رسمه بقلم الرّصاص أو بالألوان المائية ثم أدخلته إلى الحاسوب عبر السكانار، ومما رسمته مباشرة باستعمال الحاسوب دون أي تدخل من خارجه.  

المهم أن تجربتي اليوم تطورت عمّا شاهدتم هنا وسأنشر المعرض الثاني قريبا وكله منجز من داخل برمجيات الرقمنة ولا مساهمة لأداة من خارجها. ولكن الأهم من تطور هذه التجربة هو بقاء السؤال : هل أنا منشئ هذه اللوحات أم ذاك الرسام الذي أسس التقنية التي استعملتها بعد أن علبت في حاسوب ؟ هل أنا منشئ اللوحة أم ذاك التقني الذي صنع الفرشاة الإفتراضية التي استعملتها ؟ وخلط الأصباغ التي اخترتها ؟ بل خدعني بإيهامي بأنني أنا من يخلط الألوان. ثم لم يخف عني كلما أردت مراقبة أن اللون الذي خلطته إنما هو مضبوط مسبقا ومدرج في جدول تحت رقم معين. 

مرة أخرى أعود إلى السؤال : أين يكمن الفن في الأثر التشكيلي ؟  

حتى أخرج من لوحاتي التي للحاسوب وبرمجياته كل الفضل في إنشائها، سآخذ مثلا لوحة "عادية" (بين ظفرين) من لوحات أي فنان. لنأخذ الناصر بن الشيخ حتى لا نبتعد كثيرا. ولنحاول جدلا تفكيك هذه اللوحة ولو بطريقة كاريكاتورية ساذجة.

 نحن نقول إنها لوحة الناصر بن الشيخ. سؤال أول ساذج طبعا : هل نقصد أن نسبتها إلى الناصر بن الشيخ هي بسبب الأموال التي أنفقها في شراء القماش والأصباغ والأدوات التي بها ثبّت هذه الأصباغ على ذاك القماش ؟

 هل ذلك بسبب الأموال التي دفعها إلى الصانع الماهر الذي لا يذكر إسمه أبدا والذي أطّر هذا العمل مستعملا بدوره أدوات ومواد أخرى ساهم في توظيفها وتوليفها آخرون ممن لا يذكرهم أحد ؟

 أم أن نسبة اللوحة إلى الناصر هي بسبب وظيفة قام بها، نعتبرها أهم من هذا كله ومساهمة في الإنشاء حاسمة، هي الفن وكل سواها مجرد صبّ ماء على الأيدي ؟

 مرة أخرى أين يكمن الفن إن لم يكن في المادة والأداة ؟

 اتفقنا أن المادة والأداة عاملين محددين من عوامل بلوغ المنتوج منزلة الأثر الفني. هل يكمن الفن بداية في عملية إختيار المادة والأداة ؟ بل هل يكمن قبل ذلك في العلم بتوفر تلك المادة وتلك الأداة وبما يمكن جنيه من توظيفهما من نتائج فنية ؟

 هذا السؤال يطرح شرعية امتلاك حقوق أدبية عمّا يشتريه المال أو يختزنه العقل من معلومات فنية عامة حفظناها من الآخرين.

 ولكن يمكن أن يطرح كذلك سؤال شرعية استعمال وتوظيف الجاهز المتوفر في السوق أو في الطبيعة أو في المهملات أو في أي مكان، من قبل فنان معين لصياغة أو توليف عمل ينسبه لنفسه. فهل الفن في ذلك التجوال في السوق أو في الطبيعة أو في غيرهما من أجل العثور على ذلك الجاهز المتوفر وإعادة توظيفه ؟ هل هو في التّأكد من أن ذلك المتوفر هو المطلوب تماما والملائم لما سيكون عليه الأثر ؟

 كذلك تطرح شرعية العمل الفني انطلاقا من وصفة معينة لمنهج من المناهج أو تقنية من تقنيات الصّياغة الفنية التي سطرها فنانون سابقون وتعلمتها الأجيال مريدا عن شيخ وتلميذا عن معلم ومتفحصا عن عارض. فهل الفن في استبطان تلك الوصفات وفي كيفية تطبيقها ؟

 عديدة هي الأسئلة المتعلقة بالشرعية والتي يمكن طرحها حتى على اللوحة التقليدية فما بالك باللوحة الرقمية. وهذا يهون علي شيئا ما.

 ولكن حتى أسمح لنفسي بمواصلة التجربة التشكيلية الرقمية، كان لا بد أولا من الإعتراف بأن لوحاتي مبنية على قدر، هام وإن لم يكن معلوما، من مساهمة الآخرين. من دونوا أسماءهم في خانة المؤلفين إمضاء على البرمجية لضمان حقوقهم، ومن قاموا بأدوار لعلها أهم من أدوارهم ولم يذكرها لهم أحد.

 كما كان لا بد من أن أقتنع بأن مساهمتي الذاتية حاسمة في كل لوحة تحمل إمضائي.

وهنا وجدت أن كل العمل الفني وليس التشكيلي وحده. إنما هو نتيجة إختيار من موجود وإعمال الخيال لتوظيفه بشكل جديد نسبيا. 

         هذا ما أقنعني شخصيا بأن اللوحة الرقمية جديرة باعتبارها أثرا فنيا. هل هذا مقنع للجميع ؟ السؤال يظل مطروحا. ولكن الآن تبدأ الأسئلة العملية : إلى أي صنف من أصناف الفن التشكيلي يمكن ان تنتسب اللوحة الرقمية ؟ فهي توحي أولا  بذات قربى مع الصورة الشمسية إذ يمكن أن تسحب منها ما تريد من النسخ بطريقة السحب الشمسي على ورق حساس للضوء. كما توحي بأنها ذات قربى للوحات المسحوبة انطلاقا من محفورات، خاصة إذا استعملت في صياغتها تقنية الحفر واستعمل في طبعها اللون الواحد مع لون الورقة المحمل. ولكن إذا أمكنك التأكد من صحة إتلاف أو إيداع الأصل السلبي فِلْمًا كان أم محفورة، فإن سهولة نقل اللوحة الرقمية كما هي تماما دون خسارة أي شيء من نوعيتها وتعديد النسخ التي تصبح بدورها أصولا، يجعل أمر اللوحة الرقمية مريبا. من ذا يقدم اليوم على شراء لوحة رقمية مسحوبة على أي نوع من أنواع المحامل ؟ ومن يؤكد له أنها لا توجد عند غيره في نفس الوقت على محمل من نفس النوع أو من نوع آخر ؟

وهل من العدالة النقدية (بمعنى النقد الفني أو حتى بالمعنى المادي) أن يفقد أثر فني قيمته الأدبية وبالتالي المادية لمجرد أن ريبا ما قد يحوم حول تعدده ؟  

بصياغة أخرى هل تكمن قيمة الأثر الفني في قدرة صاحبه على إثبات وحدانيته حتى يمكن امتلاكه من قبل غيره ؟ أليست أدوات الرقمنة، بفسحها المجال للأثر الفني التشكيلي حتى يتعدد (أصولا وليس نسخا) ويعيش إلى ما لا نهاية له، وسيلة لخلاص الفن من ربقة التشييء والتبضيع وتقريبا له من الوجود المطلق ؟

         هذا السؤال مخيف جدا بالنسبة لمن يحترف الفن التشكيلي. فقد يسأل الفنان عندئذ : كيف تريدني أن أعيش من خلود آثري الفني وتعدده وأنا أصرف عليه من الوقت ما لا يقل عما أصرفه على اللوحة "العادية" في حين أن لا قيمة تجارية لهذا الأثر ؟

فهل أن برمجيات الرقمنة إحدى بوادر نهاية عصر احتراف الفنّ التشكيلي، على الأقل بشكل السوق المتعارف عليها الآن محليا ودوليا ؟

وهل أن حالة "الوجود المطلق" للأثر التشكيلي المرقمن تؤشر فعلا لانعدام القيمة المادية لهذا الأثر ؟ أم أن ملامح سوق جديدة لا بدّ أن تتضح، إن لم تكن قد بدأت تتضح فعلا ؟ وقد لا تكون لهذه السوق حدود، لا داخل التصنيفات التشكيلية على ما قد يكون لها من اختلاف، ولا حتى داخل الجغرافيا الكونية.

هنا أفتح قوسا حالما ولكن مع التأكد من ثبات رجليّ على الأرض لأقول :

في ظل امكانية وسهولة تنقل الأثر التشكيلي المرقمن عبر وسائل الإتصال الحديثة بدون تكلفة تذكر، ولا إجراءات ديوانية ولا غيرها، وفي ظل زوال الحدود فعلا أمام المادة الثقافية المرقمنة عموما، ألسنا اليوم إزاء سوق للمنتوج التشكيلي التونسي حرفاؤها المجموعة البشرية بأسرها ؟

ثم أهم من كل هذا، عندما نطرح على الفن التشكيلي التونسي سؤال الحضور الفاعل في الفضاء الإتصالي المعولم والمساهمة في إشعاع ثقافتنا الوطنية عبره، هو أن نطرح السؤال التالي : هل يمكن أن ندخل، نحن التونسيين على ضيق مساحة بلدنا جغرافيا، سوق الفن التشكيلي العالمية الجديدة، من زاوية العولمة ودون أن نحتاج إلى هجرة ؟  

طيب لنحلم معا ونقول : كيف يتسنى لنا هذا ؟ وكيف يمكن أن نسارع بالتخطيط لهذا الأمر ؟ وما الذي يتعين تغييره في الواقع الحالي لساحتنا التشكيلية على وجه الخصوص حتى يتحول هذا الحلم الذي تضفي عليه خصائص الحضارة الكونية المتشكلة كامل المشروعية، إلى واقع ؟

ثم، عند ضمان هذا الحضور في هذه السوق، كيف نجعل أعمالنا تستجيب إلى ما يطلبه "الحريف" (الذي هو الآخر ثقافيا) دون أن نتخلى عن طبع هذه الأعمال التي نسوّقها ببصمة ثقافية حضارية تونسية تختزل مخزوننا الحضاري من قرطاج إلى اليوم ؟ وكيف نتجنب أن ينساق كل تشكيليسنا وراء سهولة النسج على منوال حضارة الآخر/الحريف فيتركون التعبير الذاتي الأصيل نحو التعبير التجاري المطلوب عالميا ؟ 

لنترك الحلم إلى حين التبسط معا في أمر هذا السؤال ولنعُد إلى سؤالنا العملي : (يعني إلى فرضية أن الأثر المرقمن عديمُ القيمة أمام الأثر التقليدي) هذه الفرضية من شأنها أن تثير إمكانية استعمال الحاسوب وأدواته كمرحلة من مراحل صياغة الأثر، ولمجرد تسريع عمليات البحث التشكيلي وتخفيف كلفتها. بحيث يمر الفنان، بمجرد إستقرار رأيه على شكل نهائي للوحته، إلى المحمل والأدوات والمواد اليدوية التي تعود العمل بها، عساه ينتج أعمالا فنية "تقليدية" أكثر إتقانا.

طبعا، مثل هذا المنهج سينتشر حال التفكير فيه. ونحن لا نجهل أن بعضهم ينطلق من صور شمسية قد ينقل عنها نقلا، أو من غيرها مما يكون في أفضل الأحوال آثارا أخرى من إنشائه.

استعمال هذا المنهج البحثي في الإنشاء التشكيلي سيبقى، طبعا، سرا من أسرار النشاط المخبري لكل فنان. ولا أخفي عليكم أنني وصلت إلى مرحلة في تجربتي الشخصية تحتم علي خوض هذه المغامرة (العودة من الأثر الرقمي إلى الأثر اليدوي المبني على أصل شكلته رقميا قبل تنفيذه على محمل مادي) على الأقل لأتبين مدى تأثير تجربتي الرقمية على تطوير مهاراتي التشكيلية يدويا.

ولكن يبقى عندي سؤال : هل تقضي علينا وسائل الرقمنة بأن تصبح أغلب الأعمال التشكيلية المعترف بها نسخا لأعمال "مخبرية" يمكن الإحتفاظ بها لأنها الأصل؟

وهل من العدل بالمعيار النّقدي أن تكون النسخ ذات قيمة مادية وفنية معترف بها، وأن تبقى أصولها عديمة القيمة ؟ 

         سؤال عملي آخر : ونحن بصدد التفكير في تفاصيل تنظيم هذه التظاهرة، وبعد إعداد الديابوراما التي كنتم تشاهدون، كنت أسعى إلى عرض هذه اللوحات في نفس الوقت بشكل تقليدي. كان لا بد من سحبها على محمل مادّي، وكان لا بد لذلك من العبور من المطبعة. تجولت كثيرا في المطابع سعيا إلى حل الإشكال التقني المتعلق خاصة بسحب الألوان كما أردتها وكما تبدو لي على شاشة الحاسوب، أي كما رأيتموها. المهم أنني تعبت حتى وجدت أقرب نتيجة ممكنة مما أريد. وكانت عندها المفاجأة، وهي أن سعر سحب وتأطير كل لوحة شكل بالنسبة لي صدمة فعلية. فهو لا يبتعد كثيرا عما يمكن أن يصرفه فنان على معرض شخصي كامل. علما بأن إختياري كان منذ البداية أن أعرض ولا أبيع. فضلا عن أنني متأكد تقريبا من أنني حتى لو رمت البيع، فإن أحدا لن يراهن عن إسمي فيشتري لوحة ولو بربع سعر سحبها.

أستاذي الناصر بن الشيخ أجابني لما قلت له إنني سأعدل عن عملية السحب المكلفة : "هذا ليس الحل ولكنه العدول عن ارتكاب حماقة فكرية ... دعها ديابوراما لتبقى رقمية دائما... فتلك طبيعتها".

في هذا أوافق الناصر، على الأقل في انتظار أن أجمع ثروة أبددها في سحب أعمالي هذه لمجرد الإستجابة إلى نزوة، ولكن لي له سؤال : هل ما نراه على الشاشة التي تستقبل بث الديابوراما هو من نفس الطبيعة التي نراها على شاشة الحاسوب ؟ طبعا لا. فهنالك فوارق تقنية قد نغرق فيها إن واصلنا التحليل.

ثم ان الديابوراما كما رأيناها ليست معرض لوحات، ولكن خطاب متكامل مستقل عن كل لوحة وفيه لكل لوحة وظيفة معينة. خطاب منسق بشكل إخراجي أقرب إلى شريط الفيديو القصير، مع مؤثرات أخرى منها المناخ الصّوتي والخطوط وزمن عرض كل لوحة و&#