|
في الذكرى الأولى لرحيل حسين سفطة |
|||||||
| Paix à ton âme, prof |
رحمك الله، أستاذي |
||||||
| Décédé le 6 mai 2006 |
توفّي إلى رحمة الله في 6 ماي 20066 |
||||||
|
|||||||
|
من إكرام عزيز رحل إلى تثمين إضافة مبدع : لماذا وبماذا يبقى حسين سفطة بيننا بعد رحيله ؟ |
|||||||
|
نصّ مداخلة سالم اللبّان في تظاهرة إحياء ذكرى وفاته الأولى : 26 / 05 / 2007 |
|||||||
|
تحية وبعد، في موكب أربعينية أستاذي حسين سفطة وقفت لمعلّمي علّني أوفّيه من التبجيل ما أردّ به قدرا من جميله عليّ. يومها اكتفيت بأن أقرأ على الحضور نصّا كتبته في حياة المرحوم وأطلعته عليه في إبّانه وحرصت على أن يصادق بنفسه على نشره في موقعي على الإنترنت. وهكذا كان. فالنّص مازال منشورا على صفحة أستاذي بفضاء نافذتي المفتوحة على الجسر الصغير. قلت، يومها، إنّني ورثت عن حسين سفطة بعضا من "صحة الراس" كما نقول هنا. لذلك فما قرأته في الأربعينية لم أكتبه للمناسبة لأنّني لست ممن يحبّون الكتابة للمناسبات، مهما كان شأن المكتوب عنه ومهما كان الرابط الذي يجمعني به والتقدير الذي أكنّه لشخصه والتقييم الذي قد يخطر لي أن أخصّ به إنتاجه. لذلك رجائي أن لا تحسبوا هذا النّص على مناسبة الاحتفال بمرور سنة على رحيل حسين سفطة بل شرفوني بقبوله مساهمة مني، انطلاقا من هذا الفضاء وهذا الاحتفال، في بداية تأسيس مسار الاعتراف بمنشئ أراه يستحق مكانة ما، ربما تجاوز مداها الزمكاني هذا الفضاء وهذه الذكرى. أعرف تماما ما طلبه أستاذنا من تلاميذه الذين برزوا بقدر ما إذ ساروا رواءه في دروب الكتابة ونحت الكلمات. فقد طلب بلسان قلمه أن نرثيه. واسمحوا لي بأن أقتطف شذرات مما جاء في أحد نصوصه التي لم تخرج بعد للعموم حيث يقول : "...أتوجه بتوصية إلى كلّ هؤلاء، وخاصة تلاميذي وتلميذاتي الذين عايشتهم طوال أربعين سنة ..و...و... أن لا يظنّوا عليّ بمراثيهم في الإبّان وإحياء ذكراي في ما أنا حريّ به دون زيادة أو نقصان" (دراسات ومحاضرات الجزء الأول مرقونا ص 305). بل لقد قال لكلّ من ترك في هذه الفانية : "فإذا ما غبت عنكم واستعدتم ذكرياتي اذرفوا عني دموعا علها تروي رفاتي" (من مطلع كل ما نشره المرحوم وما أعده بنفسه للنشر – وأستغرب أن التتمات الصادرة بهذه المناسبة لم تسر على هذه السنّة، ولكن ما هذا بموضوعنا الان) أعرف هذه الوصية جيدا قلت، ولكنني سأبدأ باستعمال "صحة الرّأس" التي قد أكون ورثتها عنه ثقافيا كما ورثتها عن أحمد اللبان جينيّا، لأعتذر له بها عن تنفيذ هذا الجانب من وصيته. والسّبب مجرد اختلاف في الرّأي بين التلميذ والأستاذ. وللحقيقة فالاختلافات في الرأي بيننا لا تحصى، إلا أن الوفاء واجب و"اختلاف الرأي، كما قال شوقي، لا يفسد في الود قضية". هذه القولة علمنيها المرحوم فيما أعتقد واستشهد بها في أكثر من موضع من نصوصه، دفاعا عن حقه في الاختلاف. لذا ألتمس منك العذر يا أستاذي. فأنا ما رثيت أبا ولا أما ولا أختا لالتزامي بأن لا أكتب رثاء أبدا. ذلك مجرد اختيار ما في التزامه تعاليا مني على الرثاء ولا ولا تورية لقصوري عنه/ في أعتقادي على الأقل. حتى أنني أوصيت في إحدى قصائدي، منذ كنت شابّا، بأن يمنع أهلي أيّا كان من "صنع الرّثاء" في أو بعد موكب دفني. (قد ينبري في القاعة من يدلي بشهادة تناقض قولي هذا. لذلك أقول إنّني هنا أقصد الرّثاء بالمعنى المتداول على الأقل. لأنّ ما كتبته بعد إعدام صدّام وامتنعت كلّ الصّحف والمجلات الوطنية والعربية من نشره، بدعوى الحياء أو احترام الميت، يمكن تصنيفه فعلا في خانة الرّثاء. وهو ما أثار تعجبي ضمن أبيات القصيدة ذاتها. ولكن ما هذا بموضوعنا هنا. ولكنه استطراد قد أكون أسير فيه على سنة المرحوم).
أعود إذا إلى موضوعي : الفرق الأول والفرق الثاني والزيارة والأربعين وغلوق العام، مناسبات عائلية - اجتماعية، ولا شكّ، مهمة. وحين يكون للراحل إشعاع أوسع من عائلته الموسّعة، يصبح من الطبيعي أن يجتمع أفراد العائلة الأوسع خارج بيت العائلة المضيقة، كأن يكون ذلك في فضاء الحومة أو في فضاء المدينة الأرحب ما دام إشعاع الرّاحل قد طال الفضاء المدني كله. وحسين سفطة ولا شكّ أستاذ لأجيال المدينة وما جاوز تخومها، وأب روحيّ لأكثر من فاعل في الحياة المدنية على الصّعيد الوطني. لذلك فمن الطبيعي أن تَفتح أوسعُ فضاءات المدينة أبوابهَا لاحتضان هذه المواكب العائلية الموسّعة جدّا. بانفضاض هذا الجمع الكريم بعد حين، يكون قد انتهى آخر موكب عائليّ دأب مجتمعنا على إقامته تكريما لراحل عزيز. ويبقى في أرجاء هذا الفضاء الثقافي سؤال يحوم : هل ينتهي بهذا تنظيم تظاهرات ثقافية على نخب حسين سفطة ؟ أم هل ينبغي أن نشرع من الآن في التفكير في الموعد القادم ؟ بتعبير آخر : من كان يكرّم حسين سفطة بالعاطفة الاجتماعية، فالتكريم الاجتماعي انتهى أوانه بعد أن نال منه الرّاحل كلّ حظّه. أمّا من كان يكرّمه لجدارة نصّه بالتكريم فليهبّ لإثبات هذه الجدارة وانتزاع الاعتراف من المدينة انتزاعا يفرض على هذا الفضاء وغيره التفكير في مواعيد قادمة للقاء مع تراث حسين سفطة الأدبي. في تقديري الخاصّ، حتّى أساهم في الاجابة على هذا السؤال المطروح لكلّ اجتهاد ونقاش، في تقديري الخاصّ إذن أن حسين سفطة لم يكن فقط أستاذا ندين له بعاطفة المحبّة والوفاء ونعتبر أنفسنا من أهله بوصفه أبا روحيا لنا. فقد كان الرّجل منشئا وترك لنا مجموعة من النّصوص أتصوّر أنّني من بين قلّة حظيت بالاطلاع على جلّها إن لم أقل عليها كلّها. لذلك فعليّ إلى جانب واجب الوفاء واجبُ الشهادة. وللتاريخ فإن الرّجل كان شاعرا، يغلب علىشعره من السّبق إلى بعض المواضيع، ومن طرافة التناول ومن حسن الصّنعة عموما ما لا يختلف في شأنه عاقلان. والرّجل كتب عن شعراء، من جيله ومحيطه القريب خاصّة، ما يعدّ لهم تأريخا ولتراثهم تقديما ونقدا لا مجال للاستغناء عنه عند دراسة آثارهم. ويكفي أن أخص منهم بالذّكر شاعرنا الفذّ الهادي نعمان والشاعر الهرم الذي مازال في حاجة إلى مزيد الدّرس سعيد أبي بكر، ومحمد الحبيب عباس (الذي صدرت مجموعة كتاباته هذه الايام)، ومحمد صالح مزالي، دون أن ننسى صديقه الحميم "الظريف" كما يصفه لنا عند تقديمه لمساجلته الشعرية معه حول "ما لي أراك وحيدا بفقّة ونقود"، أقصد عبد الله الزّناد الذي يحتاج تراثه هو الآخر إلى الدّرس والترويج، عدا عن تلكم الدراسة القيمة عن شعر أبي القاسم الشابي. ثم إن للرجل نصوصا فيها من الشهادات والتأملات في الأدب وفي مسائل اجتماعية وثقافية أخرى ما يجعلها تتجاوز الإفصاح عن دواخله الذاتية. قد لا ترتقي كلها إلى ما يجلب اهتمام القارئ العادي. ولكن الباحث قد يجد فيها ما يلقي به الضّوء على شعره ونظرته إلى الحياة والأدب من ناحية، وما يعبّر من ناحية ثانية عن قسم أو فريق من جيلِ بُناةِ الاستقلال أصيلي الجهة بالخصوص. فريق تلقّى من التكوين ما كان يبدو له أصوب الاختيارات، ثم اتضح أنّ هذا التكوين لم يكن أسلم طريق إلى المراتب القيادية ضمن التوجه الذي انبنت عليه الدّولة الجديدة. فريق كان يشعر بما يشبه الهزيمة الثقافية. حيث كان يرى القيم التي اكتـنـزها والمناهج التي آمن بصلاحها لبلكم المرحلة، تترك على ما يشبه هامش حضيرة بناء المجتمع التّونسي الجديد، وفي أحسن الأحوال تطعّم بغيرها مما كان يثير حفيظتهم حيث كانوا يخشون جانبه أكثر من تسليمهم بصلاحه لمجتمعات غير مجتمعهم. وإذ نراه يلح على إهداء هذه النّصوص على النحو التالي : "إلى جامع الزّيتونة المعمور الذي أدين له بالجميل لحما ودما وروحا وتكوينا وتفكيرا وعقيدة حتى النّخاع"، فإنما نشعر من خلال إهدائه بأنّه يشهر انتماءً ويتسلح بما يراه منتهى الشجاعة للتعبير عن رأي هذا الفريق الصّامت المهمّش كما يعتقد، وليس بالمرّة، فيما أعتقد أنني فهمته من قراءتي نصوصه حتى الآن، عن رأي بعض الفرق الناشئة حديثا، والتي قد يفكّر فيها البعض عند قراءة ما قرأت. فالزيتونة، بما هي منهج تعليم كان متبعا بالتوازي مع المناهج الغربية التي كانت تتبعها قبل الاستقلال مؤسسات تعليم أخرى ومنها الصادقية بالخصوص، تشكل لحسين سفطة أحد أضلاع مثلث الانتماء الذي لا يتوانى عن اشهاره والتذكير به بصريح العبارة وبين السطور, إلى حد قد يبدو معه لبعضهم متعصبا. هل من داع للتذكير بالضلعين الآخرين المكملين لضلع الزيتونة ؟ أم أنكم عرفتم تلقائيا أنهما المنستير وعمود الشعر ؟ الاكيد أن هذه المسألة تتطلب من الدراسة أكثر من هذه الإشارة العاجلة بما قد يلقي الضوء على نفسية الشاعر حسين سفطة وسر حرصه على هذا النجاح اللافت في مجال التدريس وفي جعل تلاميذه يتأثرون ويتعلقون به إلى هذا الحد الذي عزّ نظيره فيما أعلم، وإن خالفوه الرأي كحالي تماما، وبما قد يبرر اصراره على الإشعاع اجتماعيا وأدبيا بما لفت النّظر إليه وهو الزيتوني، من حيث لا ذكر للآلاف من غير الزيتونيين. لن أطيل في هذا الشأن ولكن أورد هذا المدخل البسيط إلى آثار الشاعر حسين سفطة، لأعبّر عن راسخ اعتقادي بأن إنشاءه، ما ظهر منه وما لم يظهر، جدير بكامل العناية والاهتمام والدراسة. حتى إذا اتفقنا على جدارة هذا النصّ بالإكرام بقي علينا النّظر في كيفية إكرام هذا النصّ. عندي أن أوّل إكرام للنّصّ جمعه ونشره مع التحفيز على تحقيقه إذا تطلّب الأمر ذلك. وفياعتقادي، لأسباب بحت بها لإخوتي أبنائه البيولوجيين، أن من هذا النّصّ الذي لم ينشر بعد ما يتطلب تحقيقا. وهذا الأمر إذا كان من واجب صاحب الأثر في حياته، فإن ورثته يرثونه كما يرثون ثروته أو ديونه. بعد أو مع التحقيق والنّشر، يكون إكرام النّصّ بقراءته بالمعنى النّقدي للكلمة. وذلكم فرض عين على القادرين دون سواهم بلا أيّ حاجة إلى توصية من المنشئ أو إلى تكليف من ورثته كما هو شأن التحقيق. فكيف بنا إذا كان الرّاحل قد أوصى بهذه القراءة ضمن ما ترك من نصوصه ؟ فقد كتب بلسان قلمه : "... هذا وإن أملي لوطيد في أن النّخبة من أهل الفكر والأدب الذين سيتفضّلون بمطالعة ديواني، سيعملون جاهدين على سبر أغوار جملة الأغراض الشعرية التي تناولتُها، مستنطقين السّطور وما خلف السّطور ومفجّرين من خلالها المعاني والأفكار التي ربما غابت عنّي..." (أشواق ص 21) ثمّ كيف إذا كان من بين تلاميذه الذين أوصاهم بلسان قلمه من كان في استطاعته المحاولة على الأقلّ ؟ لا أريد إحراج أحد وخاصّة من الذين يعتبرون أنفسهم أهل النّقد الأدبي وممثليه في البلاد، ولكنّني من موقعي المتواضع، ولأنّني أحسست لدى قراءة وصيّة حسين سفطة هذه، بأنّ الرّجل كان يعني شخصي المتواضع، من بين من كان يراهم معنيين بهذه الوصيّة، ولأن لا شيء يبرر لجوئي إلى "صُحّة الرّاس" هذه المرّة، فسأحاول، بداية بهذه المداخلة المتواضعة، تلبية طلبه هذا بكلّ سرور، وسأحرص على عدم الحياد بمسافة ذرّة واحدة، عن جوهر توصيته إذ يقول : "... وإني لا أرجو إلاّ أن أتبوّأ المنزلة التي أنا بها جدير بحقّ وعدالة وإنصاف" (مقدّمة أشواق ص 21)، وإذ يلحّ ثانية على معنى الإنصاف في نفس المقدمة تأكيدا على أن النقد المطلوب : "... من شأنه أن يجعل صاحب الديوان يتبوّأ المنزلة التي يستحقها دون زيادة أو نقص" (أشواق 22) وإذ يؤكد مرة ثالثة على ذات المعنى مجدّدا تقديره ّ "لكل متلقّ بتجرد ونزاهة وموضوعية". ذلك أنّ الحياة أو الموت لا يغيران شيئا في قيمة النّص المتروك. قلت إنني سأحاول تلبية هذا الطّلب، ولكن في حدود استطاعتي. سأقول لكم ما يلي، حتى لا تحسب عليّ وعود لست قادرا على الوفاء بها كما قد ينتظرها منيّ بعضكم. كما أقوله من باب البوح الحميمي، بما أننا مازلنا في سياق التكريم العاطفي العائلي وبما أن كلامنا مازال يدور في فضاء الأهل والأقارب وإن اتسع هنا معنى القرابة ليشمل فضاء المدينة. والحال هذه، أسمح لنفسي بأن أنبّه إلى أنني إذ أقول في حدود استطاعتي فإنما أقصد حدود الاختصاص في المقام الأوّل فلست مختصّا في نقد الشّعر بالمعنى المتعارف عليه أكاديميّا. كما أقصد حدود وقتي ومشاريعي الإنشائية الذّاتية. يعلم عدد منكم أنّني قد طرحت على نفسي رفع تحدٍّ جديد أسميته "مدائن الهكواتي" وقد أعلنت عنه حبرا على ورق في ختام رابع فصولي "ثابت على عهد الياسمين". ولقد اتضح أنّها (أي المدائن) قد تتطلّب إنشاء وإصدار أكثر من خمسة كتب. ما فرض عليّ إعادة هيكلة نشاط جسري الصغير بما سيجعل مشمولاته، وبالتالي حدود اختصاصي، تمتد إلى مجال النّشر الثقافي. ضمن حدود اختصاصي هذه، سأحاول التوفيق بين مشاريعي الإنشائية والثقافية الذّاتية والعمل على إكرام نصّ أستاذي حسين سفطة. ولأنّ أكثر ما أنا قادر عليه الحراك الثقافي (l’agitation culturelle) فإنّني سأتقدّم ببعض التوصيات أختمها باقتراح عمليّ ملموس أرجو أن ينال رضاكم وانخراطكم ودعمكم. التوصية الأولى أوجهها لأبناء الشاعر البيولوجيين والروحيين على السواء : يذكر أخي نبيل سفطة خاصّة أنني كلما لقيته أو خاطبته بالهاتف كنت أحثه على البحث عن بقية أشعار المرحوم حتى يصار إلى اتمام ديوانه "أشواق على أوراق". أسجل اليوم صدور هذه التّتمّة. وصدورها مهمّ، على الأقلّ حتى يكتسي اجتماعنا هذا المنعقدُ أساسا بدافع عاطفي، صبغة أدبية في نفس الوقت، من باب الاحتقاء بصدور بعض من قصائد الشّاعر. ولكن ليسمح لي الجميع بأن أقول إن هذا الذي صدر، مع شكري لمن بذل الجهد لإخراجه للناس، لا يعدّ كافيا. ذلك أنّ الهدف ليس الإصدار لمجرد الإصدار, بل إن الأمر يقتضي، وقد عبّرت عن هذا منذ أشهر، مزيدا من الاستقصاء والبحث في مراسلات المرحوم ولدى أصدقائه ممن كان يتبادل معهم الشعر والتهاني والمراسلة, وهذا يتطلّب مزيدا من الوقت. وكلّي ثقة بأن هناك بعض القصائد من صنف الإخوانيات خاصّة، يمكن العثور عليها من هنا فصاعدا. فليكن الهدف هو اخراج النّسخة النهائية من الدّيوان في طبعة جديدة ومتمّمة تنجز على نفس المنهج وبنفس التبويب الذي ارتضاه الشاعر لديوانه. للشاعر حسين سفطة هاجس التوثيق لنفسه, وهو حرص واع تدل عليه عديد العلامات في نصّه ومنها قوله في مقدّمة الأشواق : "... حرصا على ضبط تواريخها (القصائد) في حينها أو بعده حتى تكون ذات صبغة وثائقيّة تيسيرا لمهمّة الدارس والباحث والنّاقد والمتلقّي" |انتهى الشاهد| (أشواق ص 17) هذا أمر طبيعي وفيه يشترك مع غالبية المنشئين. ولكن هذا الهاجس يبقى لدى الغالبية خارج النّصّ المنشور, أمّا داخل الكتب الصادرة التي يتداولها القرّاء فما علمت أن هناك منشئا احتفل بنصوص غيره كاملة داخل كتبه فجمعها ونشرها بنفسه لمجرّد ضمان التوثيق لذاته وإنشائه، كما فعل حسين سفطة. فللديوان في اصداره الأول ملحَق حوى نصوصا شعريّة وأخرى نثريّة بإمضاء عبد الوهاب بوزقرو والحبيب الزّناد ومنصف الهرقلي ومنصور أحمد اللطيف ووخاصة رقية بشير التي نشر لها في ديوانه نصّا كاملا كتبته للحديث عن تجربتها الشّعرية الذاتية ولكن فيه ذكر لتأثرها به أستاذا. هذا إضافة إلى نصّين نقديّين لقصائد ديوانه قبل الصّدور ونصّين شعريّين أحدهما تحيّي فيه صدور الديوان والآخر استلهمته من قصيدته الشهيرة لدينا "حولاء". بل من الطّريف أن الأستاذ عبد الوهاب بوزقرو الذي سهر على نشر "التّتمة" المشار إليها، لم يجد من مكان طبيعيّ لنشر قصيدة خطرت له وهو يعدّ هذا الكتاب التتمة للنشر سوى الكتاب ذاته. فاستمعوا إليه يقول : " بعدما أتممت تصفيف الكتاب، بقي يرنّ في مسمعي تلك المناظرة الظّريفة بين الشّاعرين محمد الحبيب الزّناد والمرحوم حسين سفطة، فلم أجد بدّا من الإدلاء بدلوهما وكتابة قطعة مثلهما في نفس البحر ونفس القافية ولكن غرضها مختلف حيث إنها ليست مديحا أو تهنئة بل رثاء . ولعل القارئ يسمح لي بإقحامها في هذه التتمة"|انتهى الشاهد|. عندي يا سي عبد الوهاب، وأنت من أساتذتي أيضا، أن القارئ لن يكتفي بأن يسمح لك بهذا الاقحام. بل إنه يرى ذلك من طبيعة الأشياء. حتّى أن حسين سفطة نفسه لو قام بعد موته لهنيهة يشهد فيها إعدادك هذه التّتمة للنشر، لكان أحرص منك على إقحام قصيدتك حيث أقحمتها، ولربّما أمرك بذلك، أمْرَ الأستاذ تلميذه. هذه المسألة، إن قادنتا إلى عبرة، فهي أن النّسخة النهائية لديوان حسين سفطة يمكن، بل قد ينبغي في رأيي، أن تكون وفيّة لرغبة الشّاعر في التوثيق لذاته توثيقا كاملا. فتجمع في "ملحق الديوان" كلَّ ما كان موضوعُه تواصلا مع الشّاعر ذاته أو احتفاء بشعره بشكل أو بآخر، وكان شعرا أو نثرا كتب بأقلام تلاميذه وأصفيائه والمقربين منه قبل موته وفي الموكبين الذين انتظما إلى حدّ اليوم وأقصد تظاهرتي الأربعينية والذكرى السّنوية الأولى.
التوصية الثانية أوجهها لأهل الاختصاص من النّقاد والجامعيين : يتميز شعر حسين سفطة بسِمتين لافتتين قلّ نظيرهما في دواوين الشعراء الذين تمكنت من الاطلاع على إنشاءهم : أولاهما يكاد يختصّ بها وحده. وأقصد تلكم العلاقة الرّوحية التي جمعته بتلاميذه إلى حدّ أنها طفت في شعره في شكل مراثٍ وتحسّرٍ من الفراق عند العطلة بل وحتّى في شكل غزل رقيق أو توجّع يفضح هياما وعشقا متبادلا فيه وصال وهجر وانقلاب عواطفٍ من نقيض إلى نقيض، على الأقل حسب ما يفهم من نصّه. وهي سمة جديرة بأن تدرس ولكنَّ دراستَها من دراسة أشعاره دراسة أدبية صرفة لا يشكّل لها المنحى الاجتماعيُ سوى مجرد إضاءة. أما السّمة الثّانية فظاهرة هي من صلب الممارسة الاجتماعية، وتتطلب في نظري دراسة أدبية مرتكزة بالأساس على المناهج السّوسيولوجية. فلقد انخرط فيها حسب ما يؤكده لنا ديوان حسين سفطة، عدد آخر من الشّعراء. ولم أرها في الشّعر المعاصر إلا عند شعراء المنستير. وإن كانت عندهم، على ما أتصوّره، أقلّ كثافة مما هي عليه عند حسين سفطة. هذه الظّاهرة هي ما صنّفه شاعرنا في خانتي "الإخوانيات" و"الخصوصيات والعائليات". حيث خصّص لها في ديوانه فرعين كاملين من فروعٍ ثمانية (هي وجدانيات- اجتماعيات- مدرسيات – اخوانيات – خصوصيات وعائليات – مراثي – أنغام الطفولة والمراهقة – ملحق الديوان). هذا دون احتساب ما تحفل به التّتمة الصادرة بهذه المناسبة. وهذه الظّاهرة مايزال لها في فضاء مدينتنا امتدادٌ بعد وفاة حسين سفطة. حيث وصلتني مؤخّرا، على سبيل المثال الملموس، دعوة كريمة لمناسبة عائلية سعيدة في بيت الشاعر الصديق الحبيب الزنّاد، نسج فيها على منوال أستاذه وأستاذي حسين سفطة وغيره ممن دأب على النظم في مثل هذه المناسبات. ولعلّ من بين الحضور من مارس أو ينوي ممارسة قريض الإخوانيات والخصوصيات والعائليات مستقبلا. حتى أصِل إلى التّوصية أقول إنّ في القاعة هنا، وكذلك من بين الغائبين الذين سيصلهم بالتأكيد صدى أمسيتنا هذه، أساذة من أهل الاختصاص يمكن لهم أن يتناولوا بالدرس المعمّق هذه الظّاهرة، إمّا بأنفسهم أو بتأطير عدد من طلبة العربية الدّارسين لديهم والمنتمين إلى مدينة المنستير. ذلك أن في مثل هذه الدّراسات تنزيل لشعر حسين سفطة في سياق يمكن أن يثبت تفرّده وإضافته إلى الممارسة الشّعرية من ناحية، وأن يلقي الأضواء، من ناحية ثانية، على جانب مهمّ من تقاليد الممارسة الإنشائية والثّقافية عموما، عند نخب المنستير بما يبرز مزيدا من ثراء مخزون هذه المدينة السّوسيو- ثقافي. التّوصية الثالثة والأخيرة، وفي إطارها يندرج مقترحي، أوجهها للفاعلين الثقافيين في هذه المدينة وعلى رأسهم الأخ الصّديق محمد صالح العتيل، المندوب الجهوي للثقافة والمحافظة على التّراث، الذي كان هو الآخر، إذا لم يخنّي الظّنّ، من تلاميذ الشّاعر حسين سفطة. يعرف الجميع أنني لست من المتعصبين للشعر العمودي. بل إذا كان هناك من نقطة خلاف ثقافيّ حادّ بيني وبين أستاذي حسين سفطة فقد كانت تتعلق بمعاداته المطلقة التي لا تقبل مجرّد نقاش، بل تصل إلى حدّ التجريح (واقرأوا في هذا السياق العبارات التي صاغ بها رأيه في الشّعر غير العمودي والحرّ، رغم تقريضه لكيمياء الألوان، ولكن هذه قضية أخرى)، نقطة خلافنا قلت، تتعلق بمعاداته المطلقة لكلّ خروج عن عمود الشعر، مقابل انخراطي النّضالي، إن صحّ التعبير، في الاجتهاد من أجل الخروج من ربقة السلطان المطلق الذي فرضه هذا العمود على الشعر العربي منذ اجتهد الخليل فأوجد له تنظيرا يستعين به لتصنيف وتبويب القصائد الشّعرية العربية التي كُتبت غلى السليقة دون مُسبَقِ تنظير. إلا أنني رغم هذا الخلاف أتألّم، تماما كما كان أستاذي يتألّم، حين تُكتب وتُنشر نصوص تنسب إلى الشّعر وما هي بشعر. ولكن لا يمكن لأحد الاعتراضُ عليها، لمجرد أنها تحتمي بدعوى التجديد والتّجريب والثورة على العمود السائد. وتستفيد من غياب يكاد يكون كلّيا لسلطة النّقد ونزاهته بل وحتى للرغبة في مجرد ممارسته على النّحو الذي تقتضيه أخلاقياته، خوفا من التّبعات التي قد تنجر عن هذه الممارسة. مقترحي يتمثل في إقامة تظاهرة ثقافية نطلق عليها اسم حسين سفطة، وتكون ذات علاقة بالشّعر وإيقاعه، بما لا ينخرط في الانتصار لرؤية شاعرنا من باب التعصّب، ولا يتهاون بجوهر الهاجس الأصيل الذي دعاه إلى ما عرف به من تعصّب لعمود الشعر. لأنّ الأساس هو أن نبني للممارسة الشعرية ولا أن نساهم في تأجيج الصّدام بين وجهات النّظر المختلفة. مثل هذه التظاهرة المتوازنة، لا تحتاجها جهة المنستير وحدها، ولا حتّى تونس وحدها، بل يحتاجها الشّعر العربي الذي وصل اليوم إلى طريق قد بدأت تبدو عليه علامات الانسداد. وهذا ما يبشّر بإمكانية تجاوز التّظاهرة المقترحة الحجم المحلّي أو الوطني الذي ستكون عليه عند انطلاقها إلى أفق دوليّ أعتقد أن اجتهادنا سيجعلها به جديرة. وحتى أحوّل هذا المقترح إلى مشروع ملموس أتعهد به وأعمل على إنجازه، فإن هناك من بين الحضور من يعلم لاشتغالي على هذا المبحث ضمن مشروعي المعلن : "مدائن الهكواتي". وأغتنم الفرصة هنا لأشكر كل من ساعدني على مبحثي هذا بالوثائق والكتب وبالنّصح أيضا. من هؤلاء من يعلم الآن أن الأمر سيتطلب مني تنظيم مجموعة حلقات دراسية، في إطار التوجه الجديد لنشاط الجسر الصغير. وأنّ هذه الحلقات ربّما تدرّجت نحو تظاهرة دورية تختصّ بدراسة "البنية الإيقاعية للشعر العربي الجديد". شخصيا لم أكن مستعجلا تنظيم مثل هذه التظاهرة، ولكن من أسباب النّجاح أحيانا ما تدفع إليه مثل هذه المناسبات. ففيما أنا أفكر في هذه المداخلة وأستعرض واجب الوفاء الذي عليّ نحو أستاذ أعترف له بمرتبة المبدعين من ناحية، والمكانة الخاصة التي كان يحظى بها الإيقاع الشّعري ضمن اهتمامات حسين سفطة ومقاييس تقييمه للشّعر من ناحية ثانية، خطر لي أن أطلق على الدورة التأسيسية لهذه التظاهرة اسم حسين سفطة، وأن أخصص جانبا من برنامج كلّ دورة منها لتكريم هذا الشاعر بشكل سأدرسه في الإبّان. قفلت في نفسي لم لا أستعجل تنفيذ هذا المشروع وأعمل ما في وسعي حتى تقام الدّورة التأسيسية في غضون الموسم الثقافي المقبل (2007 \2008) ؟ ولأنّني إلى التّعاون على البر والتقوى أقرب مني إلى التكتّم من أجل الانفراد بقصب السبق، ولأن فضائي الطبيعي الأحبّ إلى قلبي هو المنستير، فإنّي أهتبل هذه الفرصة (والعبارة من مستعملات الفقيد أكثر من فعل اغتنم) لأطرح على المندوبية الجهوية للثقافة والمحافظة على التّراث بالمنستير قبل أيّ طرف آخر إمكانية تبنّي هذا المشروع في حدود تضبطها اتفاقية نناقشها في الابان متى تم الاتفاق على المبدأ. كما أطرح أمر التعاون بشكل أو بآخر على تنظيم هذه التّظاهرة والمساهمة في مزيد إحكام تصوّرها وتحديد ملامح برنامجها، على كل من فرع المنستير لاتحاد & | |||||||