|
||||||||
|
||||||||
|
"طائر المنرفا" لآرتيس للانتاج (محاولة قراءة نقدية) |
||||||||
|
"L'oiseau de Minerve" de Artis productions (essai de lecture critique en arabe) |
||||||||
|
" طائر المنرفا" في معهد الصحافة |
||||||||
|
|
||||||||
|
|
||||||||
|
حضر اللقاء وتجشما عناء السفر من المنستير الصديقان علي بنور (الخال راضي) الأول من اليمين ومنصف مهني (محروس) في أعلى الصورة |
||||||||
|
|
||||||||
|
نظّم طلبة ورشة الاعلام الثقافي السمعي البصري ومتعدد الوسائط بمعهد الصّحافة وعلوم الاخبار بتونس، مائدة مستديرة متلفزة خصّصت لنقاش نقدي لمسرحية "طائر المنرفا" ، انتاج آرتيس، نصّ صباح بوزويتة مقتبس من "بستان الكرز" لأنطون تشيخوف، وإخراج وسينوغرافيا سليم الصنهاجي. |
||||||||
|
التأم اللقاء بأستوديو التلفزة رقم 1، يوم الاربعاء 18 أفريل الجاري (2007) بحضور كلّ من المخرج سليم الصنهاجي والممثلين صابرة الهميسي (ميارى) وعلى بنّور (الخال راضي) و المنصف مهنّي (محروس) وفتحي الذهيبي (الباجي) إلى جانب أستاذين من المعهد هما الأستاذ علي بلعربي وكاتب هذه السطور. وقد وجدت نفسي أنزل ضيفا على طلبتي، منظمي المائدة المستديرة، لأحتلّ أحد المقعدين المخصصين للنقد. |
||||||||
|
كانت تجربة تسيير الطلبة في هذا التمرين التطبيقي مع المشاركة في أشغال المائدة المستديرة على جانب من الطرافة. |
||||||||
|
فحيث كان لا بدّ، تحسبا لكلّ طارئ، من إعداد محاولة نقدية على قدر ما من التكامل، وحيث لم يعد من الضروري، وقد حضر من الضيوف ما يفي بالحاجة، أن أستعرض كامل ما أعددت أمام الكامرا، كان لا بدّمن أن تصل هذه المحاولة النقدية إلى الطلبة في شكل آخر. |
||||||||
|
وحيث كان في حضور هذه المجموعة من مبدعي "طائر المنرفا" بمعهدنا، إلى جانت ما يعنيه من تقدير لسعينا كمؤسسة تكوين صحفي إلى التفتح على الساحة الابداعية الوطنية، قدر كبير من التعبير عن مشاعر الصداقة والزمالة المسرحية تجاه شخصي المتواضع، فإنني قدّرت أن أخصص لهم، على موقعي، هذه الصفحة حيث أنشر نصّي اليوم على النحو الذي أعددته لأتحدّث انطلاقا منه شفاهيا، في انتظار أن أتمّمه بما لم يزل لديّ في شكل مفكرات، ليصبح نصّا نقديا كما أرتضيه في أقرب فرصة. |
||||||||
|
فشكرا لكلّ من عائلة "طائر المنرفا" والزميل الأستاذ علي بلعربي على تلبية دعوتي لهذه المغامرة الجميلة. وشكرا لطلبتي الذين اجتهدوا فأحسنوا الاجتهاد، وشعروا بقدرتهم على تخطّي حدودهم الذاتية، وشكرا لإدارة المعهد على مساعدتها لحل إشكالات آخر لحظة وما أكثرها دائما في العمل الصحفي، وشكرا خاصّا للتقنيين الذين تعبوا كثيرا من أجل انجاح هذا اللقاء وخاصة منهم هادية وفرحات وموسى. وقراءة ممتعة. |
||||||||
|
|
||||||||
|
المنعرج المحتوم ودوّامة الانتظار |
||||||||
|
تحية خاصة إلى المجموعة في شكل محاولة قراءة نقدية بقلم سالم اللبّان |
||||||||
|
كلمة أولى طبعا سآخذ الكلمة للترحيب بالضيوف فمرحبا بالجميع. ولكن سأحاول في هذه الكلمة الإجابة عن سؤال مهم : لماذا "طائر المنرفا" في معهد الصحافة ؟ مدخلان لا بدّ منهما : المدخل الأول موضوعي : فمن التراث المسرحي العالمي نصوص تأسيسية لو لم يكن لمن ينجزها ركحيّا من فضل سوى إعادتها إلى الأذهان لكان ذلك كافيا للشهادة له بخدمة المسرح التونسي. ومن هذه النصوص قطعا "بستان الكرز" للدراماتورج الروسي أنطون تشيكوف. هذا النّصّ الذي جسّد قمّة نضج مشروعه المسرحي (بعد "النورس" و"العم فانيا" و"الأخوات الثلاث"). وهو مشروع تلاقح أخذا وعطاء مع مشروع مواطنه كونستاتان ستانيسلافسكي. هذا المخرج المنظّر للكتابة الركحية ولتكوين وإدارة الممثل، والذي ندين له بكتاب طبع المسرح الرّوسي والعالمي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ومازلنا إلى اليوم ننهل منه ألا وهو "تكوين الممثل" (La formation de l'acteur). لذلك أبدأ بشكر صباح بوزويتة وسليم الصنهاجي على هذا الإختيار الذي يعطيني مبررا أوّل مقنعا لدعوة فريق انتاج المسرحية إلى المعهد. المدخل الثاني يحاول أن يكون موضوعيا ولكن بوشاح من الذاتية لا يمكن أن أنكره : فقليلة أصبحت المسرحيات التي تظهر في بلادنا في هذه المرحلة من مسيرة حركتها المسرحية، فتترجم هاجسا تعبيريا وجماليا أصيلا لدى منشئها وتبلغ من الأخذ بأبجديات الصّناعة المسرحية ما يغري النّاقد المتحرر من الالتزامات الصّحفية اليومية بالقراءة. فإذا القراءة وليدة متعة ذاتية ونتاج تفاعل مع الأثر وتقاسم هواجس مع منشئه. وإذا هي تفضي إلى طرح أسئلة مخصبة للقارئ أساسا، وربّما لغيره من متقبلي قراءته، وخاصّة منهم الطلبة الساعين وراء التخصّص في مجال الاعلام والنقد الثقافيين عموما. |
||||||||
|
||||||||
|
لذلك كله لا يسعني، في مفتتح هذه المائدة المستديرة المتلفزة، إلا أن أرحب بكامل فريق المسرحية في معهد الصّحافة، وأن أشد خاصة على أيدي من تجشم منهم عناء السفر خصيصا من المنستير وأقصد صديقيّ علي بّور (البقالطة) ومنصف مهنّي (صيّادة) للحضور بيننا. كما لا يسعني إلاّ أن أخصّ بالترحاب أخي الأكبر وزميلي الأستاذ الصديق على بلعربي وأن أشكر له قبوله هذه الدعوة متجاوزا مجرّد حضور الشاهد المختصّ إلى مقاسمتي أعباء الهاجس البياغوجي، دون انتظار جزاء إلا رضى الضّمير. فله منّي كلّ الإكبار والتقدير. |
||||||||
|
||||||||
|
لنشاكس العنوان لا داعي لتكرار المنطلقات التي على ضوئها أقرأ هذا العرض والتي بينتها في كلمة الترحيب. لذلك أمرّ مباشرة، وقبل الفرجة، إلى عنوان المسرحية الذي يغريني بأن أبدأ بمناوشته شيئا ما. هكذا من باب اللعب. فالقراءة النقديّة نوع من اللعب أحيانا. وهي، كاللعبة المسرحية تماما، مغامرة غيرُ مأمونة العواقب. ولكن لا بأس من خوضها. فهذا العنوان يوحي للجميع بأن هنالك طائرا يدعى المنرفا : هكذا بألف ولام التعريف. كأن نقول بالفرنسية la Minerve. ولكن، قد لا أفاجئكم إن قلت إنه لا وجود لهذا الطائر إطلاقا، لا في الواقع ولا في المخيال. فالبحثت في المعاجم اللغوية لم يفض بي إلى أكثر من رصد هذه التسمية لتعيين آلة تقويم الرّقبة، (لاحظوا أن من وظيفة هذه الآلة ضمان استقامة الرّأس وهو موضع الفكر) أو آلة طباعة قديمة تمكن من طبع ورقة كاملة تنزل عليها بمفعول ضغط العامل برجله على لوح جاذب ثقل. (ولا حظوا هنا اقتران العبارة بتدوين المعرفة والعلم) أما البحث في مواطن أخرى غير المعاجم، وخاصة في شبكة الإنترنت، فقد مكّنني من الوقوف على أن غوّاصة فرنسية، كانت قد غرقت بطاقمها المتكون من 52 فردا في جانفي من سنة 1968، كانت تحمل اسم المنرفا « « la Minerve. حلت تلك الكارثة عندما كانت فرنسا تعيش ذلك الغليان المعروف، في انتظار منعرج ثقافي وسياسي كبير سيسفر عن طبيعته في شهر ماي من تلك السنة. وحيث نكتشف عند الفرجة أن مسرحية "طائر المنرفا" تتنزل في سياق لا يقلّ غليانا، يمكن تلخيصه كما في ما عنونت به هذا المقال (في انتظار المنعرج المحتوم)، فإني لا أتمالك من أن أتساءل، وإن لم يكن هذا ليخطر على بال مبدعي االمسرحية، عمّا إذا لم يكن المقصود بعنوان المسرحية طائرا قد كان من الشؤم بحيث سبّب الكارثة أو من الحكمة بحيث تنبّأ بها، أومن صفاء النّظر بحيث كان شاهدا عليها مخبرا عنها. يمكن أن نعثر أيضا على عنوان نشرية أو مجلّة فرنسية ظهرت بين سنتي 1818 و 1822 وكانت تحمل عنوان La Minerve française”". والأكيد أن الترجمة الأقرب إلى جوهر هذا العنوان، على الأقل من وجهة نظر قراءتي هذه، هي "الحكمة الفرنسية". ذلك أن Minerve هو الاسم الآخر للإلهة الإغريقية أثينا Athéna بنت دزوس المنبثقة من شقّ في جمجمته، والتي كانت تعرف بإلهة الحكمة. حتّى أن البومة التي كانت رفيقة لأثينا أو لمنرفا، إن شئنا، فهما اسمان والمسمى واحد، اتُّخذت من قبل الفلاسفة رمزا للفلسفة. |
||||||||
|
||||||||
|
في حين أن مركّب الإضافة المعرّف "طائر المنرفا" له جرس موسيقي جميل في المطلق، جرس في نظري أجمل من غير المعرّف "طائر منرفا"، وله دونه فضل الإيهام بوجود طائر أسطوريّ مستقل بذاته. والفن إيهام في بعض جوانبه. مفاتيح للعبة مبيتة يبدو، قلت، أنّ لعبتي لم تكن عبثا صرفا. فقد مكنتني من نثر كلمات مفاتيح مثل "كارثة" و "حكمة" و"منعرج" و"أساطير" و"وهم" و"ظلام" و"خراب". وهي كلمات لو جمعناها لوجدناها، تتناقض تماما مع ما نراه من نزعة جمالية ركز عليها المخرج قراءته لهذا النّص ولكنها تصوّر تماما المناخ الحقيقي الذي تشيعه المسرحية. "جميل خراب المكان هنا" قال الشّاعر. فما الذي تحدّثنا عنه المسرحيّة ؟ إنّنا نشهد في "طائر المنرفا" انهيار اسطورة لا يؤمن بها سوى أصحابها المتشبثين بوهم عراقتهم وكبرهم (أصحاب الضيعة ليليا التي تجسدها صباح بوزويتة والخال راضي الذي يجسده على بنّور وكبير خدمهم محروس الذي يجسده منصف مهنّي)، تحت أنظار جيل بعضه يسبح في نعمة ظلام الجهل أو التجاهل فيكتفي بالفرجة البلهاء وكأن لا شيء يهمه فيما يحدث أمامه (بعض العملة والمتشبثين بسادة الوضع القائم مع الاستعداد للسباحة في فلك أي سيد جديد. كالباجي الذي يجسده فتحي الذّهيبي والسنوسي الذي يجسده بهرام العلوي و الخادمة "آش اسمك" التي تجسدها منال طقطق، وأمثالهم) ، وبعضه الآخر يتفرّج منتظرا نهاية يعرف أنها حتمية ولمّا يهضم بعد إنهيار وهمه هو الآخر وعجزه عن تقديم بديل لما يدور في كواليس الظلام ويبشر بالآتي المخيف ( فمنه ميارى التي تجسدها صابرة الهميسي والمتحملة أعباء تمديد أجل الوضع السائد المبني على وهم سادتها، ومنه ثامر ذلك الطالب الأبدي الذي يجسده محمد علي دمّق، والذي لا يدري تماما وقد انهار وهمه المتأتّي من وهم مناهضي طبقة هؤلاء السادة إن كان يمكنه النجاة بالتعاطف معهم وهم يسقطون، أم بإيجاد شرعية جديدة في مناهضة من سيسود بدلا منهم)، أما بعضه الآخر (ونأتي هنا إلى معتوق، الذي يجسده يونس الفارحي والذي سيخرج مستفيدا وحيدا من هذا المأزق) فهو ينطلق من شرعية الثّأر لما عانته طبقته من استغلال، ليحاول افتكاك السيادة وبناء مستقبله على الإيمان بقيام أسطورة جديدة قديمة، يعمل على الإنتصار لها في الواقع في حين أنه وبقية المنظّرين لهذه الأسطورة، ليسوا في منأى عن الوهم الذي قد يستيقضون منه على كارثة، نحن نلاحظ بوادرها في أنحاء الكون الأربع.
بطولة مطلقة لطائر المنرفا كلّ هذا و"طائر المنرفا" يزود كلّ فرد أو مجموعة أفراد بنوع من الحكمة يقوم على منطق لا يأتيه الخلل من بين أيديه ولا من خلفه، ومع هذا فهو مختلف من زاوية نظر إلى زاوية نظر سواها. فالحكمة حِكَمٌ عدّة، ونتيجة الصّراع، أي الدّخول في منعرج كارثيّ شبه محتوم، وإن كانت لا تكاد تخفى على أحد من هؤلاء، فإنّ تبينها في حاجة إلى نظر ثاقب، وحده "طائر المنرفا" يتمتع به ويحتفظ به لنفسه، وفي ذلك إنما تكمن حكمته. "قدّاش نعشقها ... ها الأرض قدّاش نعشقها" تقولها ليليا وكأنّها العاشقة الوحيدة، وكأنها صاحبة البطولة المطلقة في هذه المسرحية. تنطقها بصدق في التّمثّل حتّى لا يكاد يبقى في القاعة من لا يتماهى معها فنصبح كلّنا ليليا. ولكن قد فاتها، كما قد يفوتنا، أن كلّ من كان هناك يقول بشكل أو بآخر، في سره أو في العلن، "قدّاش نعشقها ؟" لا يهمّ ما يكون موقفه ولا ما تكون نتائج أفعاله. لا يهمّ سوى أنّه لا يرى "هذا العشق" سوى من وجهة نظره. ولو سألنأ أيّا من هذه الشخصيّات عمّن يكون طائر المنرفا لكان جوابها بديهيّا : "هو أنا" ولكن من هو بالفعل طائر المنرفا في المسرحية ؟ لو تأمّلنا لوجدنا أن لا أحد يمثّل الشؤم لذاته ولا أحد يمثّل الحكمة لذاته ولا أحد له قوّة البصر ولا نفاذ البصيرة لذاته. ولأقررنا بأنّ طائر المنرفا هو المسرحيّة ككلّ، من حيث هي نظرة علوية على الكلّ. بطولة الأفكار قد كان يمكن، عوض الولوج إلى هذه القراءة من مزحة مناوشة العنوان، أن نصل إلى ذات النتيجة بالدخول إليها من باب استعراض الشخصيّات. كأن نطرح مثلا سؤال : من هو بطل المسرحيّة ؟ ويستمدّ مثل هذا المدخل شرعيته من خصوصية مسرح تشيكوف الذي جاء مجدّدا ما كان سائدا من دوَرَان المسرحية حول بطل مفرد. فالمسرحية عند تشيكوف هي البطلة ولا وجود لشخصية بعينها تتحمّل عبء البطولة بمفردها. ذلك أنّ المسرحية أصبحت بفضل تشيكوف شبكة من العلاقات بين شخصيات عدّة لها نفس الأهمّية وكلّ منها غارق في همومه الذاتية متفاعل مع هموم الآخرين من وجهة نظره وطبقا لمعتقداته وآماله ومصالحه الذاتية. فالشخصية غدت هنا حمّالة فكرة أو وجهة نظر. فلو نظرنا إلى شخصيات طائر المنرفا على أنها أفكار فكيف سنبوّبها ؟ وكيف سنفهم من خلال كلّ منها نسيج العلاقات القائمة بينها ؟ مثل هذه اللعبة قد تطول وتتشعب بما لا يحتمله هذا المقام. ولكن يمكن بسرعة أن نتبين الأفكار التالية :
|
||||||||
|
||||||||
|
متفرجون مذنبون كلّ هذه الشخصيات الأفكار تتحرّك أمامنا في فضاء وحيد هو فضاء البستان بمختلف مكوناته، وعبر أحداث نشهد بعضها مباشرة ونسمع عن بعضها الآخر كما ترويه لنا. قد يستغرق الحديث عن تقنية الإخراج وقتا طويلا ولكن لا بدّ، قبل طرح سؤال الأحداث المسرحية، أمن الحديث عن عنصر آخر في الإخراج أراه، مع الحرص على البهرج والجمالية، طريفا، يستحقّ أن نشير إليه فننوه به سواء قصد على النحو الذي قرأناه عليه أمن كان مجرد "ماعون صنعة" مسرحية. يتمثل هذا الجانب في طريقة التعامل مع ما يسمّى بالجدار الرّابع. وبالتالي في تصميم أقسام الفضاء المسرحي من حيث العمق بما يخدم حيلة بناء العرض إخفاء لبعض عناصره وإظهارا لها في الوقت المناسب، وبما يحافظ على إيقاع العرض رغم ثقل آلياته، وقد تميز هذا الجانب بحرفية عالية في المطلق ولكن أثره كان عندنا ذا دلالة لا بدّ من إبرازها. قد اشتغل سليم الصّنهاجي على وهم العمق فجعل ما يصطلح عليه بالجدار الرّابع جدرانا متتالية أولها أسقطه نهائيا على الطريقة البرشتية فكسر الحاجز الفاصل بين مقدّمة الرّكح وفضاء القاعة أي بين شخصيات المسرحية وجمهور المتفرّجين. حتى أن المتفرج يحسّ في البداية بأن قراءة "بستان الكرز" ستكون على الطّريقة البرشتية، لولا أن تأتي المشاهد بما يناقض تماما هذا التمشّي المفترض. ولكن، حتى عند الوصول إلى النهاية لا يمكن قراءة اسقاط هذا الجدار الرابع وأنت تخرج من القاعة، إلاّ على أنها عملية استفزازية قصد بها المخرج أن يجعلنا معنيين بكامل أحداث المسرحية متواجدين في فضاء الضيعة نستقبل أصحابها الوافدين عليها بعد غياب ثمّ نشاهد ما يتعرّضون إليه من أحداث وكأننا نعيش فيها معهم ثمّ نتفرّج في كيفية طردهم منها حتّى لا يبقى فيها سوى مالكها الجديد ونحن معه وكأنّنا في صفّ أنصاره أو الواقعين تحت سلطانه. وتلك قمّة الشعور بالذّنب. أما التصرّ ف في بقية الجدران فهي بالأساس حيلة سينوغرافية. فأوّل هذه الجدران الستار الرّئيسي الذي يفصل عمق الركح عن مقدّمته فيوهمنا بتشريكنا في لهو صبيتين تعزفان القيثارة وقد هبّتا من بيننا، ثمّ في خلوة حبيبين (ثامر، وأمل التي تجسدها آية بن نفيسة) يتناجيان بعد الحصول على رخصة قصيرة لذلك الغرض، وإذا بنا نفاجأ بمجرّد رقع الستار بتغيّر المكان في عمق الرّكح من داخل البناية إلى فضاء الحديقة الفسيح، أو بإيهامنا بمزيد كشف داخل الدّاخل حيث يقوم ستار شفاف حاجزا بين فضاء التوتّر والانتظار الذي نقتسمه مع الشخصيات المتوترة وفضاء الرّقص والاحتفال الذي نعرف بوجوده ولا نشارك فيه لضمان التشويق. أو بمزيد فتح نافذة في العمق لرؤية الأشجار وهي تقتلع وتصوّر القطار وهو قادم يهز بهديره الأرض هزّا. فضاء للهو وانتظار الكارثة ولكن لنعد إلى الأحداث التي تدور على الركح ونشاهدها لمدّة تزيد عن الساعة والنّصف. فما الذي يجري على الركح أو في فضاء الفرجة بما فيه القاعة ؟ وما هي أهميته في السير نحو المنعرج التي تحدّث عنه المسرحية ؟ وما هو تأثيرها على مآل البستان مقارنة بالأحداث التي تدور في الخارج ولا يصلنا إلا صداها ؟ |
||||||||
|
||||||||
|
والآن ماذا يجري بالخارج ولا يصلنا سوى عبر سرد الممثلين عند عودتهم إلى الرّكح ؟ 1/ اتصالات شتى بالبنوك والممولين الممكن الاقتراض منهم 2/ اتصالات بالعمة التي ما تزال ثرية والتي بينها وبين أهل البستان خلاف يجري الحديث عنه 3/ عشاء في مكان غير مطابق للمواصفات مع تبذير 4/ تحرّكات لمنع حصول الكارثة 5/ تحركات موازية للإعداد للاستحواذ على الضيعة 6/ بيع بالمزاد العلني يبدو أنه استنزف طاقة كلّ من الخال راضي ومعتوق. ها نحن هنا نسمع بجملة الأحداث التي فيها صراع فعلي والتي لو شهدناها لوقفنا على حقائق الصراعات. كيف يرفض الأصدقاء وأهل الثروة مساعدة واحد منهم تدور عليه الدوائر ؟ كيف يضطرّ السيد الكبير إلى الظّهور بمظهر السائل المتمسكن ؟ كيف تنكسر شوكة العظماء الذين لا نراهم إلا وهم مستكبرون ؟ كيف تنسج الدسائس في الظلام ؟ من يساعد معتوق على نسج الأحبولة التي يقع فيها سادته في النهاية ؟ كيف يتمكّن خادم ابن خادم من اختراق كلّ الأعراف والظّفر بمزاد يملك بمقتضاه أرض سادته. سؤال المتعة في الفرجة كلّ هذه تبقى أسئلة لا جواب عليها وكأنّ منشىء العرض يتهيب تصوّر وإدارة مثل هذه المواجهات. لا يهمني بالمرة، وأنا أخلص إلى هذا الاستنتاج الذي قد يبدو قاسيا بعض الشيء، إن كان هذا متأتّ من تشبث المقتبسة بما وجدته في النّصّ الأصلي أم من اختيارها هي (بموافقة المخرج الذي اشتغل على نصها) أن تدور الأحداث الهامّة بعيدا عن الأنظار وأن يكون السّرد طريقنا إلى العلم بها دون التجسيد. ولكنني لا أتمالك عن طرح السّؤال : لماذا تنحاز الدّراماتورجيا إلى فضاء الانتظار عوض فضاء الفعل في الأحداث ؟ والجواب قد يأتي انطلاقا من ممارسة ميزت اتجاها معيّنا من اتجاهات مسيرتنا المسرحية في تونس. أفلا يكون في هذا المنزع نوع من الوقوع في أسر الهاجس الجماليّ ؟ ففضاء الصّراع، في المطلق، مهما سمح بالعمل على الجماليّة لا يوفّر الفسحة للموسيقى الهادئة الحالمة ولا للتفسّح في حديقة مثلجة ولا لقراءة الشعر ولا للرقص الذي لا ينشد سوى ذاته ولا يعبّر سوى عن متعة مطلقة كأنها منتزعة من مسار التاريخ، ولا يسمح بفسحة لحفلة راقصة صاخبة لا ندري لها من مبرر ولا مناسبة. ولكن يجوز أن أن كلّ هذا كان اختيارا مسبقا لجعلنا نعيش التّوتّر والانتظار مع عامّة من ينتظرون، ويقضّون أوقاتهم في ملء الفراغ بأي شيئ وهم أعجز ما يكونون عن التّأثير في الأحداث. فالحقيقة أن مجرّ العلم بما يجري من الأحداث المؤثرة مباشرة، يعطي نوعا من الفسحة التعويضية عن الرّاحة النّفسية. أما الجهل بها فيرفع درجة التّوتّر والتخوف من الآتي. المهمّ أن المتفرّج وإن كانت الأحداث التي تدور أمامه هامشيّة سطحية، لم يجد الوقت للملل، وذلك ليس عائدا فقط إلى البهرج السينوغرافي. فقد كان الممثلون دون استثناء على درجة من الحرفية من حيث تصور أدوارهم وأدائها بحيث ساهم كلّ منهم في جعلنا نشدّ إليه وإلى حكايته الهامشية شدّا ينسينا الأحداث الرئيسية إلى حين. كما أنّ الحوار كان من الشاعرية والنّقاء بحيث ينصرف المتفرّج عن الخيط الحكائي إلى المتعة الآنية. فالفرجة متعة قبل كلّ شيء، وقد كانت حاصلة في "طائر المنرفا" بدرجة عالية. وسؤال المنعرج المسرحي ؟ من ناحية ثانية، لا يهمّني بالمرّة تبرير اقتباس "بستان الكرز"، اليوم وهنا، ولا مدى إمكانية اسقاط المسرحية وأحداثها وشخصياتها على الوضع الذي تعيشه تونس اليوم والذي لا يبدو لي من المفيد أبدا وضعه على محكّ المقارنة. ولكن سيادة فكرتي الانتظار من ناحية، والعيش من مكتسبات الماضي وما تتيحه من نوستالجيا وجمالية من ناحية ثانية، تدفعني إلى طرح السؤال : هل يقصد سليم الصنهاجي وصباح بوزويتة الدّفاع عن الوضع القديم للضيعة بوصفه جميلا ومن حيث هو تجسيد للفن وتمثّل للجمال الذي منه تستمدّ المسرحية نجاحها على صعيد الإستيطيقا ؟ وهل في النوستالجيا التي تعبق بها المسرحية، والتي يشدّنا العرض إليها شدّا ويدفعنا للتماهي معها دفعا، دعوة إلى الانتصار إلى هذا الوضع المهدّد، والحال أن لا أحد يدينه سوى من جاء ليقضي عليه، وكلّ ما في المسرحية دعوة صريحة إلى إدانته ؟ ثمّ كيف الإنتصار لهذا الوضع ولا أحد في المسرحية هبّ ينقده نقدا موضوعيا أو يقدّم منه بديلا مقنعا ؟ فمن هذه الجمالية ومن هذه النوستالجيا سرّ عشقي لهذا العمل وسرّ خوفي منه فكريا في نفس الوقت. وذلك ما يوقعني في حيرة لست أملك عنها أي جواب ولا منها أي مخرج. لذلك أكتفي بترك السؤال مطروحا : كيف، بأية وسائل، ومتى نبني معا مسرحا تونسيّا يذهب بالجمالية إلى أقاصيها ولا يخشى عليه من سوء التّأويل حينا و من مجانبة هواجس المجتمع الذي أفرزه حينا آخر ؟ والسؤال لا أطرحه على سليم الصنهاجي وصباح بوزويتة وحدهما ولكن على اكلّ الذين يشعرون معهما بأنّ حركة المسر ح التونسي تعيش اليوم فترة مفصليّة لا تقلّ أسئلتها حرقة عن الأسئلة التي تطرحها هذه المسرحية ويحاولون دون مركبات تأمين تحوّل في هذه الحركة، يجري في كنف تواصل لا يقطع مع ما تحقق لها من مكاسب لا مجال للشك فيها، ولكن لا ينساق مع رؤية "جمالوية" إن صحّ التعبير، دون وضعها على الأقلّ موضع المساءلة. مع خالص المودّة سالم اللبّان
|
||||||||
|
|
||||||||
|
جميع الحقوق محفوظة - ©2006 - سالم اللبّان |
||||||||
|
copyright-©2006-Salem Labbène |
||||||||